لابد من تمحيص المعدن لمعرفة نوعه؛ فالعُوْد لا يُعرف طِيْبُهُ، ولا تفوح رائحته إلا بالإحراق, لذلك جَرَت سنة الله تعالى بالابتلاء والامتحان للناس عموماً، وللمؤمنين خصوصاً.
فقد اقتضت سنة الله تعالى أن يبتلي عباده، ليتميز الشكور من الكفور, قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)) [الإنسان:2، 3].
واقتضت حكمته سبحانه وتعالى؛ التمييز والتفريق بين الطيب والخبيث؛ قال تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) [الأنفال:37]. حتى المؤمنين لابد من تمحيصهم في الحياة الدنيا؛ قال تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:179].
وعلى ذلك حتماً يكون التمايز في الآخرة؛ قال تعالى: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) [يس:59], بمعنى: أنهم يتميزون عن المؤمنين في مواقف وعرصات القيامة، كما جاء في معنى الآية في تفسير ابن كثير.
ولما كانت التكاليف الشرعية والخطوب والفتن؛ هي المختبر والمحك، فقد جعلها الله تعالى أسباباً من خلالها يظهر الصادق من الكاذب، وتثبيت الإيمان، ودرجات المؤمنين فيه زيادةً ونقصاً؛
قال تعالى: (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)) [العنكبوت:1-3]. وقد نتج عن ذلك الابتلاء والتمحيص؛ أن ظهرت معادن كثيرة، منها: الطيِّب النفيس الأصيل، وهم الذين لا تزيدهم الإبتلاءات والمحن إلا قوة وصفاءً.
فلسان حال هؤلاء المؤمنين كما قال الشاعر:
|
إننا كالتبر في جودته |
بازدياد النار يزداد ائتلاقا |
وسيأتي بيانه.
ومنها الضعيف والرديء والتافه والخبيث، مع تفاوت في ذلك كلِّه، وتُمَثِّلُ الغالبية من الناس, وهم في كثرتهم كالأحجار في جمودها وقسوتها، وكالشوائب والأوساخ في فسادها ونتنها وضررها، وكالغثاء والزبد في رداءته وعدم نفعه. كما أنهم في كثرتهم يكونون في الآخرة كالأحجار وقوداً للنار, كما جاء في قوله تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [البقرة:24]. وهم الذين يستعيذ المسلم بالله من شرهم وطريقهم، كل يوم بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة:7].
ويُمَثِّل أهل الإيمان من الناس -رغم قِلَّتِهِم- المعدن النفيس الذي لا يتغير، كالذهب والجواهر والدرر النفيسة, والذين ينتهي بهم المطاف إلى جنةٍ بناؤها من الذهب والفضة والجواهر والدر والياقوت، وذلك من جنس معدنهم, فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما, وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) (1).
وهم الذين يسأل المسلم ربه أن يجعله منهم، وأن يهديه طريقهم في كل يوم وفي كل ركعة في صلاته، وذلك في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة:6، 7].
- نصوص نبوية في معادن الناس:
والله سبحانه وتعالى يحب أصحاب المعادن الجيدة لاهتمامهم بمعالي الأمور, ويكره ويبغض أصحاب المعادن السيئة الرديئة لاهتمامهم بسفاسفها.
عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يحب معالي الأمور, ويكره سَفْسَافها)(2).
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن أكرم الناس؟ قال: أكرم الناس أتقاهم لله؛ قالوا: ليس عن هذا نسألك؛ قال: فأكرم الناس يوسف ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم, قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقُهوا)(3).
وكما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الناس معادن كمعادن الفضة والذهب, خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجنّدة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)(4).
وقال صلوات الله وسلامه عليه: (الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا في الدين)(5).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تجدون الناس معادن, فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا, وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهيةً قبل أن يقع فيه, وتجدون شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)(6). وذو الوجهين هو صاحب الخلط القبيح.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن مثل المؤمن كمثل القطعة من الذهب، نفخ فيها صاحبها فلم تتغير ولم تنقص)(7).
(1): مسلم.
(2): صحيح الجامع والسلسلة الصحيحة للألباني.
(3): البخاري ومسلم.
(4): مسلم.
(5): مسند الإمام أحمد.
(6): البخاري ومسلم.
(7): صحيح الجامع، والسلسلة الصحيحة للألباني عن ابن عمر رضي الله عنهما.
موقع الشيخ عبد العزيز الزبيري موقع فضيلة الداعية الشيخ عبد العزيز الزبيري حفظه الله