الرئيسية / بقلم الشيخ / من أسرار ومدلولات الحج

من أسرار ومدلولات الحج

بسم الله، والصلاة والسلام على خير خلقه، محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبعد:

أحبتي في الله، السلام عليكم ورحمة وبركاته…

إن من أسرار الحج الحكم والمقاصد التالية:

1) الإحرام:

شُرِعَ لتحقيق معنى التعبد والإستسلام لله سبحانه، ومن أسراره ومقاصده تعميق الشعور بالإفتقار والتذلل والمسكنة لله سبحانه، ربٌّ يأمر وعبدٌ يطيع.

– أدِّب نفسك، عبِّدها لله، زَكِّها.

– طَهِّرْهَا من الأنانية والأثرة والتعالي، ومن ذلك: اخلع ملابسك، حَسِّرْ رأسك، إنزع خفك، لا زينة لا عطور لا نكاح ولا مقدماته ولا تقليم للأظافر ولا حلق ولا تقصير…

– طف عدد (7) أشواط قبل الحج، اسعَ عدد (7) أشواط، اذهب إلى منى، اصعد عرفات، بِتْ بالمزدلفة… ثم إحلق، إرم، إنحر، طُفْ بالبيت، ارجع للمبيت بمنى… ولا تسأل لماذا وما الحكمة؟

– الإحرام يذكرك بالكفن، والوقوف بعرفات يذكرك بالحشر والوقوف بين يدي الله والناس أمام الله سواء.

2) ومن أسراره الطواف على الشمال:

فكل الكائنات السيَّارة والسابحة، حتى النواة تطوف على الشمال، وهو أسهل على الإنسان لأن قلبه ودورته الدموية على الشمال.

3) ومن أسراره مدلول التلبية والإكثار منها:

وهي استجابة لدعوة أبي المِلَّة إبراهيم –عليه وعلى جميع الأنبياء وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم- ودلالاتها على توحيد الربوبية والألوهية والعبودية.

وقال صلـى الله عليه وسلم: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، إنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ) (عن ابن عباس وهو في الصحيحة وصحيح الجامع). وقال صلى اللـه عليه وسلم: (لَبَّيْكَ إلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ) (عن أبي هريرة وهو في صحيح الجامع)

4) ومن أسراره وأهدافه:

تعميق الشعور بالإخوة الإسلامية ووحدتها وتطهر المسلم من آفات العصبية والعنصرية الجاهلية وتعميق الشعور بالإنتماء للملة الحنفية السمحة: قال سبحانه: (ملَّة أبيكم إبراهيم)الحج. وقال عن أبي هريرة وهو في صحيح الجامع: (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لاَ تَمْنَعُوا أَحَدَاً طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) (عن جبير بن مطعم).

5) هيئة واحدة ولباس واحد -قطعتي قماش-:

الكل حاسري الرؤوس، لا زينة، لا عطر، لا تيجان.

وكما أن شعائر الإسلام كلها تبني في المسلم الإخوة والوحدة والتساوي فكذلك الحج الذي يلغي كل أشكال التمايز والتفاخر والتعالي…

6) وفي الإحرام أسرار، وهو تأدُّب العبد مع بني جنسه وذلك بالتساوي بالإحرام و لا جدال في الحج:

فهو شامل مع الكون كله، فإحرامك مع الدنيا، خروجك من بلدك ودارك وأهلك وتجارتك ووظيفتك، وإحرامك مع النفس يمنعها من شهواتها فلا جماع ولا طلب نكاح ولا ملابس ولا عطور ولا حلق ولا تقصير…، ومع بني جنسك فلا جدال ولا خصومة ولا جرح ولا عدوان.

وإحرامك مع الحيوانات فلا صيد ولا اعتداء، وإحرامك مع النباتات فلا تقطع شجراً، وإحرامك مع الجمادات وأدناه وأرخصه حجراً بالتقبيل والمسح والإشارة، والعكس في الجمرات الثلاث بالرمي.

ومن مظاهر الإحرام معها:-

  • قال صلى الله عليه وسلـم: (إِنَّ مَسْحَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ, وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ يَحُطَّانِ الْخَطَايَا حَطًّا)[1]. 
  • وقال صلى الله عليه وسلـم: (إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا)[2].
  • وقال صلى الله عليه وسلـم: (لَيَأْتِيَنَّ هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنْ يَسْتَلِمُهُ بِحَقٍّ)[3].
  • وقال صلى الله عليه وسلـم: (إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)[4].
  • وقال صلى الله عليه وسلـم: (نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِى آدَمَ)[5].
  • وقال صلى الله عليه وسلـم: (زَمْزَم، طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ)[6].
  • وقال صلى الله عليه وسلـم: (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)[7].
  • وقال صلى الله عليه وسلـم: (كُنَّا نُسَمِّيهَا شَبَّاعَةَ -يَعْنِي زَمْزَمَ- وَكُنَّا نَجِدُهَا نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى الْعِيَالِ)[8].
  • وقال صلى الله عليه وسلـم: (كَان َيَضَعُ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ بَيْنَ الرُّكْنِ َوالْبَابِ)[9].
  • وقال صلى الله عليه وسلـم: (اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ)[10].

7) تعميق الصلة بالله وذلك بالإكثار من ذكره، والتحقق بصفة التقوى، كما تقدم في كل آيات الحج، والحج كغيره من الأركان يبني المسلم.

قال صلى الله عليه وسلـم: (أَمَّا خُرُوجُكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْبَيْتَ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ وَطْأَةٍ تَطَأُهَا رَاحِلَتُكَ يَكْتُبُ اللَّهُ لَكَ بِهَا حَسَنَةً, وَيَمْحُو عَنْكَ بِهَا سَيِّئَةً, وَأَمَّا وُقُوفُكَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ , فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي, وَيَخَافُونَ عَذَابِي, وَلَمْ يَرَوْنِي, فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ فَلَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ, أَوْ مِثْلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا, أَوْ مِثْلُ قَطْرِ السَّمَاءِ ذُنُوبَاً غَسَلَ اللَّهُ عَنْكَ, وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَإِنَّهُ مَذْخُورٌ لَكَ, وَأَمَّا حَلْقُكَ رَأْسَكَ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَسْقُطُ حَسَنَةٌ, فَإِذَا طُفْتَ بِالْبَيْتِ خَرَجْتَ مِنْ ذُنُوبِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)[11].

وقال صلى الله عليه وسلـم: (إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَجَّهُ فَلْيُعَجِّلِ الْرُّجُوْعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأَجْرِهِ)[12].

– قال الأصمعي: دعا أعرابي بمكة “اللهُمَّ لَا تَمْنَعْنِي خَيْرَ مَا عِنْدِكَ بِسُوءِ مَا عِنْدِي، وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَقْبَلْ تَعَبِي وَنَصَبِي فَلَا تَحْرِمْنِي أَجْرَ الْمُصَابِ عَلَى مُصِيبَتِهِ”.

– ذات مرة سمع الحجاج اعرابي يدعو عندما شرب من ماء زمزم –وكان كل حاج يدعو ويسمي حاجته- فقال: اللهم إن هؤلاء قد اختاروا لأنفسهم فاختر لي أنت.

بَنَى الكعبةَ الغَرَّاءَ عَشرٌ ذَكرْتُهم

ورَتَّبتُهم حَسْبَ الذي أخَبَرَ الثِّقَة

مَلائِكةُ الرَّحمَنِ ثُمَّ آدمَ وَابْنه

كذاكَ خَلِيلُ اللّهِ ثمَّ العَمَالِقَة

وجُرْهُم يتلو قُصَي قُرَيشهم

كَذا ابنُ زُبيرٍ ثمَّ حَجَّاج لاحِقه

وخَاتِمُهُم مِن آل عُثمَانَ بَدْرهم

مُرَادَ المعَالي أَسْعَدَ اللّهُ شارقه

والحمد لله ربِّ العالمين،،،

—————————————————————

[1] أحمد :عن ابن عمر وهو في صحيح الجامع.

[2] الترمذي، عن ابن عمر، وهو في صحيح الترغيب والترهيب ومشكاة المصابيح.

[3] البيهقي وابن ماجه عن ابن عباس وهو في صحيح الجامع.

[4] احمد والترمذي والحاكم: عن عبدالله بن عمرو، وهو في صحيح الجامع.

[5] الترمذي : عن ابن عباس وهو في الصحيحة وصحيح الجامع.

[6] البزار: عن أبي ذر، وهي في الصحيحة وصحيح الجامع.

[7] أحمد والبيهقي وابن ماجه: عن جابر، وهو في صحيح الجامع.

[8] الطبراني: عن ابن عباس، وهو في الصحيحة وصحيح الترغيب والترهيب.

[9] ابو داد وابن ماجه عن عمرو بن شعيب  وهو في الصحيحة.

[10] البخاري ومسلم: عن ابن عمر.

[11] الطبراني: عن ابن عمر، حسنه الألباني في صحيح الجامع.

[12] الحاكم والبيهقي : عن عائشة وهو حسن في صحيح الجامع.

شاهد أيضاً

إذا أردت الآخرة؛ فطلق الدنيا وانقطع للعبادة!

الحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: …

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *