الرئيسية / بقلم الشيخ / الوحـدة عِبَــادَةٌ وَدِيْـــنٌ

الوحـدة عِبَــادَةٌ وَدِيْـــنٌ

الوحـدة عِبَــادَةٌ وَدِيْـــنٌ
(فَرِيْضَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَضَرُوْرَةٌ بَشَرِيَّةٌ)
قال سبحانه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)) الأنبياء:92
(وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)) المؤمنون: 52.
وقال –صلى الله عليه وآله وسلم-: (الجماعةُ رَحْمَةٌ، والْفُرْقَةُ عَذَابٌ) (1).
 إِضَاءَةٌ:-
الأمْطَارُ مِنْ قَطَرَات،  والخُبْزُ بِشَتَّى أَنْوَاعِهِ مِنْ حَبَّاتٍ، وَالْبِنَاءُ الضَّخْمِ مِنَ الأَحْجَارِ، وَالْكَلِمَةُ مِنْ حُرُوْفٍ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ كَلِمَاتٍ، وَالمَوْضُوْعُ مِنْ جُمَلٍ، وَالْفُصُولُ مِنْ مَوَاضِيْعَ، وَالْكِتَابُ يُؤلَّفُ مِنْ هَذَا كُلِّه.
الوحدة فَرِيْضَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَضَرُوْرَةٌ بَشَرِيَّة:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين.
يقول ابن خلدون في مقدمته: الإنسان مَدَنيٌ بالطبعِ؛ أي أنَّه لا يستطيع أن يعيشَ وحده ولا بد أن يعيشَ في بيئة من بني جنسه، وذلك لما هو عليه من العجزِ عن استكمال وجوده وحياته.
وقال أيضاً: (إنَّك تسمع في كتب الحكماء قولهم أن الإنسان هو مدني بالطبع، يذكرونه في إثبات النبوات وغيرها، والنسبة فيه إلى المدينة وهي عندهم كناية عن الاجتماع البشري).
وتبدأ الحياة لأي بيئةٍ بَشَريَّةٍ ببناء بيت ثم دكان ثم بوفية أو مطعم ثم ورشة ثم صيدلية ثم محطة ثم سوق ومدرسة ومستشفى… وكل هذا بهداية الله وبالفطرة التي فطر الناس عليها قال جل في علاه: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)) الليل:1 – 4.
  • فَوَزَّعَ اللهُ المواهبَ والقُدُرات والسعي والأرزاق بين عباده بتدبيره وحكمته لتكتمل الحياة.
  • فلم يجعل الله أهل قرية كلهم أطباء أو كلهم تجاراً أو فلاحين أو بنائين أو مهندسين أو شعراء… وإنما وَزَّع المواهِب والْحِرَف… بِقَدَرٍ وحكمةٍ وميزان.
  • ولم يجعل الله أهل قرية أو بلد مواليدهم ذكوراً وأخرى إناثاً، وكل هذا من أجل أن تكتمل البُنْيَة البشرية والوحدة التي تُحَقِّقُهَا وتبنيها حاجةُ الناس لبعضِهم بعضاً، قال سبحانه: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) الزخرف:32.
  • والوحدة في الْخَلْقِ والقيمة الإنسانية: قال جل ذكره: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات: 13.
وحتَّى الحيوانات والدوابِّ كلٌّ يأوي ويعيشُ مَعَ بني جنسه فما رأينا ثعلباً يعيش مع الدجاج، ولا الكلاب مع الغنم، وإنما نرى الإبل مع الإبل أُلفةً واتحاداً ، وكذلك الغنم والأبقار والطيور، حتى النمل يُقالُ قريةُ النملِ، وكذلكَ الأسماك والوحوش.. قال الله سبحانه: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)) الأنعام: 38 .
فالوحدةُ ضَرُوْرَةٌ وَفَرِيْضَة.. ولا يجحدها ويرفضها إلا جاهل وأحمق مختل يصادم الفطرة والدِّين، لأن الوحدة نظام كوني وشريعة سماوية شرعها الله لكل الكائنات ولجميع المخلوقات، كما قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)) الحج:18.
وكما أنَّ الله ساق السُّحُبَ المكونة من ذرات الماء، فألَّف منها قطرَ الأمطار وأنزلها غيثاً مغيثاً، كما قال جل ثناؤه: (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ (43)) النور: 43.
فكذلك الأُمَّة؛ يُؤلفُ الله بين أبنائها فَتَقْوَى ويَكْثُر خيرها، وتكسب عِزَّهَا ومجدها، قال سبحانه: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال: 63، وقال جل في علاه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران:103.
يتبع إن شاء الله…
(1): أحمد: عن النعمان بن بشير، وهو في الصحيحة (667)، وفي صحيح الجامع للشيخ الألباني -رحمه الله- رقم (5420).

شاهد أيضاً

من أسرار ومدلولات الحج

بسم الله، والصلاة والسلام على خير خلقه، محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبعد: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *