الرئيسية / بقلم الشيخ / الفهم الخاطئ والتأويل المتعسف لبعض آيات القرآن الكريم

الفهم الخاطئ والتأويل المتعسف لبعض آيات القرآن الكريم

الفهم الخاطئ والتأويل المتعسف لبعض آيات القرآن الكريم، قوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)

بعض الناس يستدل بفهم خاطئ لمعنى قول الله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) [سورة: البقرة الآية: 286].

وذلك حين يُطالبُ أحدهم بأداء فرائض الله والواجبات الشرعية، كالمحافظة على الصلوات، والتفقه في الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… وغير ذلك، فنجده يتخاذل و يتمانع، ويقول قد قال الله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) [سورة: البقرة الآية: 286]، ويفسر الآية: بما يوافق هواه، ويحقق رغبات نفسه، مع أننا نجده يبذل في سبيل شهواته، وطموحاته الدنيوية، كل طاقاته وإمكانياتهَ وُقُدَراَتِهْ، بل ربما يُعَرِّضُ نفسه للقتل، وقد يقتل غيره من أجل أطماع نفسه، حتى لو كان ما يطمع فيه حقيراً تافهاً.

وإذا سألناه لماذا كل هذا العناء، ولماذا تُعَرِّضُ نفسك للمخاطر من أجل شيء تافه! أجاب بحماس: تَرْك الحق زندقة – يا سبحان الله- ! ، أَمَّا إذا دُعِيَ لنصرة دين الله، والتضحية والبذل في سبيله، يَثَّاقل ويتهرب بحجة الخوف وعدم الاستطاعة.

ونقول لمثل هذا: إن كان هذا هو حالك، إيجابي مُخلص مع الدنيا، سَلْبِي مُتَقَاعِس مع الدين! نخشى عليك والله من أن تصيبك دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَعِسَ عبدُ الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ، إن أُعْطِيَ رضي، وإن لم يُعْطَ سخط، تَعِسَ وانتكس، وإذا شِـيْكَ فلا انتـقـش) .

ونخشى عليك أن تكون ممن ذمهم الله، بسبب إهمالهم لدينهم، واغترارهم بدنياهم، فقال عنهم: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [سورة: الأعراف الآية: 51].

 أما التفسير الصحيح لقول الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) [سورة: البقرة الآية: 268]. فمعناه أن الله يخاطب المكلَّفين، على اختلاف قُدُرَاِتِهم وإمكانياتهم، أن يعمل كل واحد منهم بأوامر الله وفرائضه، حسب قدراته الظاهرة والباطنة في جميع شئون حياته، وبحسب ما مَكَّنَهُ الله وآتاه مِنْ سَعَةٍ وَقُدْرَه.

وهذا ما توضحه الآية التالية: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا)[سورة: الطلاق الآية: 7]، ومثالاً على هذا، ما ذكره القرآن في شأن الإنفاق في قوله تعالى: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)[سورة: الطلاق الآية: 7].

ومن معانيها كما قال أهل التفسير: مَنْ لم يملك نصاب الزكاة فلا زكاة  عليه، ومن لم يملك القدرة على الحج -يعني لا يملك الزاد ولا الراحلة- فلا حج عليه، كما قال الله: (مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [سورة: آل عمران الآية: 97]، وَمَنْ كان مريضاً أو أعمى أو أعرج لا جهاد عليه، كما قال الله سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) [سورة: النور الآية: 61].

وَتَأَمَّلْ في الآية: التالية تجد التفسير للآيات السابقة قال سبحانه: (وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [سورة: المؤمنون الآية: 62]، بمعنى أن كل واحد من المكلَّفين، يَعْرِفُ قُدُرِاَت نفسه وما يستطيع فِعْله، وسيجد ذلك مُسَجَّلاً في كتابنا الذي ينطق بالحق ولا ظلم فيه لأحد.

ومن يخدع نفسه، ويعمل غير ما كلفه الله، فهو ممن تصفه الآية: التي بعدها: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) [سورة: المؤمنون الآية: 63].

والمتأمل في واقع أمتنا اليوم، وما وصلت إليه من ضعف وخذلان، وَتَسَلُّطِ أعدائها عليها، يجد أن سبب ذلك هو بُعْدهَا عن إقامة دينها.

ومن مظاهر ذلك، تعطيل الكثير من فرائض الله في نظام الحكم، وغياب كثير من قواعد الأخلاق، وأحكام المعاملات في الأسرة والمجتمع.

فيا تُرَى من المسئول عن كل ذلك؟ أليست المسئولية على كل مسلم، وبحسب قدراته وإمكاناته، وفي حدود مساحته وموقعه وتأثيره؟

قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) .

مصـارحـة: ألسنا نرى ما يفعله كل واحدٍ منا عندما تحدث الخسارة أو الفشل، في أي مشروع مُشَارِك فيه وله فيه نصيب ؟

ألا نراه يتابع ويبحث عن المتسبب في ذلك الفشل، ويقاضي ويغارم، ويطلب الإنصاف ويبحث عن النصير ؟

أفلا يستحق ديننا منا مثل هذا وأكثر ؟

أليس الإسلام أمانة في عنق كل مسلم، وهو قَدَرُنَا ومصيرنا، وفيه وبه نجاتنا وفلاحنا ؟

وقد فرض الله على كل واحد منا، إقامته وإحياء فرائضه ونصرته والدفاع عنه، وأن ما في وسع كل مسلم أن يفعله مع دنياه مِنْ جهد وسعيٍ وطلبٍ وحِفْظٍ وَدِفَاعٍ، يوجب عليه أن يفعل مثل ذلك وأكثر لدينه الذي خُلِقَ من أجله كما قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ)[سورة: الصف الآية: 14].

وما لم يفعل ذلك فسيكون ممن وصفهم الله بالفسق وتوعدهم بالعقوبة.

وَتَأَمَّلْ هذه الآية: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [سورة: التوبة الآية: 24].

شاهد أيضاً

من أسرار ومدلولات الحج

بسم الله، والصلاة والسلام على خير خلقه، محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبعد: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *